حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
264
شاهنامه ( الشاهنامه )
وعادتها الغدر وقلة الوفاء ، فصاح به وقال : أيها البهلوان المذكور ! مالك تفرّ بين يدىّ راجلا ؟ أما زعمت أنك لا ترى لنفسك مساجلا ؟ أين ذلك الفيلق الجرّار ؟ ما بالك لا يغنيك منهم أحد ؟ أين عدتك وشوكتك وأين بطشك وقوّتك ؟ لقد أدبرت السعادة عنك ، وانكسفت شمس أفراسياب بما حدث بك . وإذا بلغ بك الحل إلى هذا فينبغي لك أن تسأل الأمان حتى أحمك حيا إلى الملك كيخسرو فإنك شيخ مثلي أشيب الرأس ، وقد رق قلبي عليك ، ولست أريد قتلك . فقال : حاشاى من هذا ومن أن أذل لأحد من الأنام . إني لم أولا إلا للحمام ، فلا أحب أن أموت إلا ميتة الكرام . وفترجل جوذرز ، ورفع الترس فوق رأسه ، وصعد اليه ، فرماه بيران بمزراق كان معه فأصاب عضد جوذرز ، ومرق منه . فاستشاط جوذرز عند ذلك ورماه بمزراق في ظهره فنفذ إلى كبده ، ففار الدم من فمه ، ووقع إلى الأرض يتغرغر بحشاشته حتى قضى نحبه . فصعد اليه جوذرز وغرف من دمه غرفة وتشرّبها تشفيا لسياوخش ولأولاده السبعين . وهم ّ بأن يحتز رأسه فأدركته رقة منعته من ذلك . فتركه وعرز علمه عند رأسه ليحمى وجهه عن حر الشمس ، وركب وعاد إلى عسكره والدم يفيض من عضده فيضا . رجوع جودرز إلى الإيرانيين قال : وكان الإيرانيون قد فزعوا حين أبطأ جوذرز ، وتوهموا أنه قتل فجزعوا وجعلوا يبكون . فبيناهم كذلك إذ تراءى علمه من بعيد ، ففرحوا وضربوا البشائر . فلما قرب منهم حسبوا أن بيران أعجزه فانصرف عنه ، حتى حكى لهم عند وصوله ما جرى له مع بيران فأشار إلى مصرعه بإصبعه ، وو أمر ابنه رُهّام بأن يذهب إلى ذلك المكان ، ويحمله بعدّته وجنّته على فرسه ، ويأتي به إلى المعسكر . ففعل ذلك وجاء به مربوطا على فرسه . فأثنى الإيرانيون عند ذلك على جوذرز وشكروه . ثم قال لهم : إني لما توهمت أن أفراسياب يعبر الماء نفذت إلى الملك كيخسرو وسألته اللحاق بنا ، ولست أشك أن يصل عن قريب . فخلوا هؤلاء القتلى مربوطين على ظهور الخيل حتى يصل الملك ويراهم على هذه الهيئة . فبيناهم كذلك إذ صاح الديدبان من ذروة الجبل ، وبشرهم بطلوع مواكب الملك كيخسرو وظهور راياته . فاستبشروا وضربوا البشائر . وسيأتي ذكر مقدمه من بعد إن شاء اللّه تعالى . ذكر اطلاع فرشيذ ولُهاك على مقتل بيران وما جرى عليهما بعد ذلك بكاء لهاك وفرشيد على بيران بعد مقتله قال : فجاء الديدبان التورانيين إلى فرشيذ ولهاك وأخبرهما بصعود المبارزين من عسكر إيران إلى التل الذي يليهم ، وأنهم ظفروا بالتورانيين وقتلوهم ، وأعملهما أيضا بطلوع عسكر عظيم مقبل من صوب إيران . قال : فصعدا إلى مرباء الديدبان فشاهدا بأعينهما ما أخبرهما به من طلوع العسكر ،